عبد الوهاب الشعراني

89

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

يعني على فعل ما أشاروا عليك به : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] . لا على مشورتهم ، على أنه لا يقدح في كماله صلى اللّه عليه وسلم عدم التفاته إلى أمور الدنيا كما قال في مسألة تأبير النخل : « أنتم أعلم بأمور دنياكم » . يعني التي لا وحي عندي من اللّه تعالى فيها ، فافهم . قال بعض العارفين : ولم يمت صلى اللّه عليه وسلم حتى صار أعلم الناس بأمور الدنيا ا ه . فشاور في جميع الأمور التي تحبها نفسك من يكون زاهدا فيها من العارفين لا من المتعبدين فإن المتعبد ربما نفرت نفسه من الأشياء بحكم الطبع ونفر غيره عنها كذلك ولو كان فيها مصلحة له كما يقع فيه كثير ممن ترك الكسب واشتغل بالعبادة وقنع بما يتصدق الناس به عليه فتراه يأمر الناس كلهم بترك الأسباب والكسب كذلك ويقول لهم ، ربكم يرزقكم وغاب عنه أن اعتماد مثله على الخلق لا على اللّه تعالى ، ولو أن هذا الشخص شاور عارفا فقال له عليك بالكسب واعتمد على اللّه لا على الكسب ، وأعتق نفسك من تحمل منن الخلائق . بل قال بعض مشايخ العرب لما ظن أنه متوكل أنا ما ولأني أحد من الفقراء هذه الوظيفة ، وإنما ولأني اللّه تعالى ، فقال له شخص من قرناء السوء أنت واللّه من الأولياء فقلت له ، لا يكون من الأولياء إلا إن صرح بهذا القول بين يدي الباشا الذي ولاه وقال له في وجهه أو قال لمن يبلغه ليس لك عليّ جميل أوليس للباشا عليّ جميل وما ولأني إلا اللّه ، فقال متى قلت ذلك ، عزلني وسلب نعمتي قلت : فإذن قولك إنك معتمد على اللّه تعالى دون الخلق افتراء على اللّه تعالى وازدراء بطائفة الفقراء لا غير . قلت : وقد رأيت بعض الأكابر من العارفين يشهد اللّه تعالى كل يوم في جميع ما يتحرك فيه أو يسكن ، ويقول اللهم إن كنت تعلم أن جميع حركاتي وسكناتي في هذا اليوم خير لي فاقدرها لي ويسّرها لي وإن كنت تعلم أنها شر لي فاصرفها عني واصرفني عنها وقال من واظب على ذلك كان في أمان من اللّه تعالى أن يمكر به ا ه . قال البيهقي ويعيد صلاة الاستخارة والدعاء ثانيا وثالثا أو أكثر ، حتى ينشرح صدره لشيء ا ه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . روى الإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم مرفوعا : « من سعادة ابن ادم استخارته للّه عزّ وجلّ » . وزاد في رواية الحاكم : « ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه عزّ وجلّ » . وروى الترمذي مرفوعا بلفظ : « من سعادة ابن آدم كثرة استخارته للّه تعالى ورضاه بما قضى اللّه تعالى ، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة اللّه تعالى وسخطه بما قضى اللّه